عاجل| نص كلمة سامح شكرى فى جلسة مجلس الأمن بشأن سد النهضة

نشرت وزارة الخارجية، عبر صفحتها بموقع “فيسبوك” ترجمة لبيان وزير الخارجية سامح شكرى، أمام مجلس الأمن بالأمم المتحدة بشأن سد النهضة الإثيوبى، الجلسة التى عقدت فى نيويورك، اليوم الخميس 8 يوليو 2021.

وقال وزير الخارجية سامح شكرى فى كلمته، كما نشرتها وزارة الخارجية:

سعادة السفير/ نيكولا دو ريفيير – المندوب الدائم للجمهورية الفرنسية لدى الأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن،
أصحاب السعادة المندوبون الدائمون الموقرون للدول الأعضاء بمجلس الأمن، الأخت العزيزة وزيرة خارجية جمهورية السودان الشقيقة، والأخوة ممثلو جمهورية الكونجو الديمقراطية وإثيوبيا.

أود فى البداية أن أُهنئ سعادة السفير/ نيكولا دو ريفيير على توليه رئاسة مجلس الأمن، وأن أعرب عن الشكر للسيدة/ إنجر اندرسن وكيلة السكرتير العام والمدير التنفيذى لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والمبعوث الأممى الخاص للقرن الإفريقى على مداخلتيهما.

السيد الرئيس.. مصر – تلك الأُمة التى يتجاوز تعدادها أكثر من مائة مليون نسمة – تواجه تهديداً وجودياً؛
فقد بنى كيانٌ هائل على الشريان الذى يهب الحياة لشعب مصر؛ وارتفع جدار ضخم من حديد وفولاذ بين ضفتى نهر عظيم وعريق، مُلقياً بظلاله الثقّال على مستقبل ومصير الشعب المصرى، ومع كل حجر فى البناء، يعلو سد النهضة الأثيوبى ويتسع خزانه ليُضيق على شريان الحياة لملايين الأبرياء الذين يعيشون من بعد هذا السد العملاق على مجرى نهر النيل.

وقد أتت مصر إلى مجلس الأمن العام الماضى وشاركت فى جلسته التى عقدت يوم 29 يونيو 2020 لتحذر المجتمع الدولى من هذا الخطر المحدق الذى يلوح فى الأفق، ونبهت آنذاك إلى قُرب وقوع الملء الأول لهذا السد الأثيوبى، وحذرنا من مغبة السعى لفرض السيطرة والاستحواذ على نهر يعتمد عليه بقاؤنا.

ومن هذا المنطلق، فقد ناشدنا هذا المجلس الموقر للعمل بكل جهد ودأب لتجنب تصاعد التوتر الذى سيهدد السلم فى إقليم هش، ودعونا أشقائنا الذين نشاركهم ثروات النيل إلى التحلى بالمسئولية والاعتراف بترابط وتشابك مستقبل وثروات شعوبنا.

ورُغم ذلك، وبعد بضعة أيام من جلسة مجلس الأمن العام الماضى شرعت أثيوبيا – دون مراعاة للقوانين والأعراف – فى الملء المنفرد لسد النهضة وأعلن وزير خارجيتها بعجرفة وصلف “أن النهر تحول إلى بحيرة… وأن النيل ملكاً لنا”، مع ذلك، فإن رد فعل مصر إزاء هذا الاعتداء على النيل اتسم بضبط النفس واتباع درب السلم والسعى للتوصل لتسوية لهذه الأزمة من خلال اتفاق مُنصف يحفظ مصالح الأطراف الثلاثة، كما تبنينا بصدق مبادرة رئيس الاتحاد الأفريقى آنذاك فخامة الرئيس / سيريل رامافوزا رئيس جنوب أفريقيا، لإطلاق مفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقى، وانخرطنا على مدار عام كامل فى المفاوضات التى عقدها وأدارها أشقاؤنا الأفارقة من أجل صياغة حل أفريقى لهذه الأزمة الكؤود.. ورغم ذلك، فقد باءت كل تلك الجهود بالفشل.

والآن، وبعد عام من الإخفاق والمفاوضات غير المثمرة، وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التى بذلها رؤساء الاتحاد الأفريقى وشركاؤنا الدوليون، نجد أنفسنا مُجدداً، فى مواجهة المسلك الإثيوبى الأحادى بملء السد دون اتفاق يضمن حماية شعوب دولتى المصب ضد مخاطره. وهو ما تجلى فى إعلان أثيوبيا يوم 5 يوليو 2021 – أى قبل ثلاثة أيام فقط من انعقاد هذه الجلسة – البدء فى ملء العامل الثانى للسد بشكل أحادى.

إن هذا السلوك الفج لا يعكس فقط انعدام المسئولية لدى الجانب الأثيوبى وعدم المبالاة تجاه الضرر الذى قد يلحقه ملء هذا السد على مصر والسودان، ولكنه يجسد أيضاً سوء النية الأثيوبية، والجنوح لفرض الأمر الواقع على دولتى المصب فى تحد سافر للإرادة الجماعية للمجتمع الدولى والتى تم التعبير عنها وتجسدت فى انعقاد هذه الجلسة لمجلس الأمن لمناقشة هذه القضية واتخاذ إجراء حاسمة بشأنها.

وفى هذا الصدد، فإننى آخذ علماً وأثنى على الإتحاد الأوروبى لإصداره اليوم بياناً يعرب فيه عن أسفه لبدء إثيوبيا الملء الثانى لسد النهضة من دون اتفاق، وأُشجع مجلس الأمن وأعضاءه على إتخاذ موقف مماثل فى أعقاب هذا التطور المثير للقلق البالغ.

هذا النهج الإثيوبى وتصرفاتها الأحادية المستمرة تفضح عن تجاهلها – بل وازدرائها – لقواعد القانون الدولى، وتكشف أهدافها السياسية الحقيقية والتى ترمى إلى أسر نهر النيل والتحكم فيه وتحويله من نهر عابر للحدود جالب للحياة إلى أداة سياسية لممارسة النفوذ السياسى وبسط السيطرة، وهو ما يهدد بتقويض السلم والأمن فى المنطقة.

لهذا، سيدى الرئيس، اختارت مصر، مجدداً، طرح هذه القضية الحيوية على مجلس الأمن مجدداً.
إن التصرفات الأحادية الأثيوبية المستمرة، والإخفاق المتواصل للمفاوضات، مع غياب أى مسار فعال وجاد – فى هذا المنعطف – لتحقيق تسوية سياسية لهذه القضية الحيوية، هى الاعتبارات التى دفعت بمصر إلى مطالبة مجلس الأمن بالتدخل العاجل والفعال لمنع تصاعد التوتر ومعالجة هذا الوضع الذى يمكن أن يعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر، وذلك وفقاً لما هو منصوصٌ عليه فى المادة “34” من ميثاق الأمم المتحدة.

وقد لقد جاءت مصر إلى مجلس الأمن من منطلق إيماننا الراسخ بقيمة القانون الدولى، واقتناعنا المتأصل بأهمية وفاعلية العمل متعدد الأطراف كأداة لتعزيز السلام ومنع الصراعات والنزاعات. ويقودنا فى ذلك التزامنا الراسخ بالمبادئ التى أسسها وقام عليها ميثاق الأمم المتحدة، وإيماننا وثقتنا الدائمة فى قدرة مجلس الأمن على الاضطلاع بسئوليته فى الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين من خلال اتخاذ ما يلزم من تدابير لمعالجة أزمة هذا السد الإثيوبى. وكذلك انطلاقاً من حقيقة أن من الفوائد الكبرى التى يسديها هذا المجلس للإنسانية تكمن فى سلطته وقدرته على التحرك بشكل استباقى لحماية وصون السلام، وليس الاحجام أو إبداء عدم الاكتراث عند تعرض حقوق الدول وبقائها للتهديد.

السيد الرئيس.. لقد انخرطت مصر، وبفاعلية، على مدار عقد كامل فى المفاوضات ذات الصلة بالسد الأثيوبى. ورغم شروع إثيوبيا بشكل منفرد، فى بدء تشييد هذا السد بالمخالفة للالتزامات الدولية المفروضة عليها كدولة منبع يتعين عليها الإخطار المسبق والتشاور مع دول المصب، فقد سعت مصر إلى التوصل لاتفاق يضمن حقوق الدول الثلاث ويعزز من مصالحها المشتركة.

وكان يحدونا الأمل، ولايزال، فى التوصل إلى اتفاق ملزم قانوناً يمّكن أثيوبيا من تحقيق أهدافها التنموية المرجوة والمتمثلة فى توليد الطاقة الكهرومائية فى أقرب وقت، وبفاعلية وعلى نحو مستدام. ويعكس ذلك أن مصر ظلت – ولا تزال – على دعمها لاستقرار أثيوبيا ورفاهية شعبها، وهو ما يعكس سياسة مصر الثابتة والمعهودة فى تعزيز وزيادة فرص التعاون المشترك مع أشقائنا من دول حوض النيل. إلا أن أى اتفاق قد نصل إليه حول السد الإثيوبى يجب أن يكون منصفاً ومعقولاً، وملزماً قانوناً، ويتضمن تدابير وإجراءات لتفادى تأثيراته السلبية على دولتى المصب، خاصةً فى فترات الجفاف، ولمنع حدوث أى أضرار جسيمة بالمصالح المائية لكل من مصر والسودان، ولضمان صون أمن وفاعلية وكفاءة التشغيل لسدود دولتى المصب، كما يجب أن يضمن عدم تعرض أمن مصر المائى للخطر جراء ملء وتشغيل هذا السد الذى يمثل أكبر منشأة كهرومائية فى أفريقيا.

وفى هذا السياق، علينا أن نعى أن تحقيق هذا المراد من إبرام اتفاق عادل ومتوازن بشأن السد الإثيوبى لا يعد أمراً بعيد المنال أو غير قابل للتحقق؛ خاصة إذا أدركنا أن الإخفاق المستمر للمفاوضات لا يرجع إلى غياب الحلول العلمية السليمة للأمور الفنية العالقة أو لغياب الخبرة القانونية المطلوبة لصياغة اتفاق فى هذا الشأن، وإنما يظل السبب الأوحد للفشل الإخفاق المستمر هو التعنت الاثيوبى.

وليس أدل على ذلك مما جاء فى خطاب وزير الخارجية الأثيوبى، المؤرخ فى 23 يونيو 2021، والموجه إلى مجلس الأمن: والذى ذكر فيه ” إن ملء وتشغيل سد النهضة دون السعى للتوصل إلى اتفاق مع مصر والسودان، لهو مجرد ممارسة للحد الأدنى من حقوق أثيوبيا السيادية كدولة مشاطئة فى مجرى مائى دولى”.

سيدى الرئيس، إن فحوى هذه العبارة ومضمونها يجسد أساس وسبب المشكلة التى نحن بصددها، ويكشف عن حقيقة جلية وهى أن مرجع ومصدر هذه الأزمة سياسى بامتياز.

إن هذا يكشف عن أن أثيوبيا تتصرف من منطلق فرضية أن انخراطها فى المفاوضات إنما يأتى من باب المجاملة أو المنّ، حيث دأبت إثيوبيا على تجاهل حقائق الجغرافيا وتوهمت أن النيل الأزرق هو نهر داخلى يمكن لها استغلاله لمصلحتها الحصرية، كما يبدو أنها تفترض أن هذا المجرى المائى الذى ينساب بشكل طبيعى وحر إلى أراضى دولتى المصب يمكن إخضاعه لسيادتها وسيطرتها.

لقد هذا النهج الإثيوبى المؤسف قد أحبط وأفشل كل الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق حول هذا السد، حيث انعكس هذا التوجه فى مواقف أثيوبيا على مدار عقد كامل من المفاوضات.

ولعل أكبر مثال على هذا التعنت الإثيوبى هو رفضها المستمر لإبرام اتفاق قانونى ملزم فى هذا الشأن، ومعارضتها لتسمية الوثيقة التى يتم التفاوض حولها بأنها ” اتفاقٌ”، بل أن إثيوبيا قد اقترحت وصفها بـأنها مجرد “قواعد إرشادية “.

كما تعارض أثيوبيا تضمين الاتفاق أحكاماً ملزمة لتسوية المنازعات، وتصر فى المقابل على صياغة الاتفاق بالشكل الذى يضمن لها اليد العليا فى تعديله وتغييره بشأن كيفما تشاء.

وقد سعت أثيوبيا لتبرير هذه المواقف غير المنطقية عبر التذرع بحجج واهية من قبيل الظلم الذى تعرضت له بسبب ما تطلق عليه الاتفاقيات الاستعمارية أو الوضع القائم غير المنصف. وهى فى ذلك لا تمُت للواقع بصلة. فلم تكن أثيوبيا فى يوم من الأيام مستعمرة، كما أنها لم تبرم أى اتفاقية تتعلق بالنيل تحت الإكراه أو القسر، كما أن مصر لم تعارض مطلقاً حق أثيوبيا فى استغلال موارد النيل الأزرق.

إن ما تنتطره مصر – بل وتطالب به – هو أن تمتثل دولة المنبع التى تشاركنا نهر النيل للالتزامات القانونية الدولية المفروضة عليها، والتى تقتضى منع إلحاق الضرر الجسيم بمصالح وحقوق جيرانها من دول المصب؛ بينما فى المقابل تسعى أثيوبيا لاستخدام المفاوضات كبابٍ خلفىّ لتكريس حق مطلق لذاتها لتشييد مشروعات مستقبلية على مجرى النيل الأزرق دون ضوابط أو معايير تحكمها، وتطالب دول المصب بالإقرار بسيطرة إثيوبيا المطلقة على النهر.

سامح شكرى فى مجلس الأمن

وقد عبرت إثيوبيا عن هذا التوجه عنه بشكل لا لبس فيه فى خطاب لوزير المياه الأثيوبى مؤرخ فى 8 يناير 2021 ذكر فيه أنه “لا يوجد أى الزام على أثيوبيا سواء بموجب القانون أو الممارسة للتوصل إلى اتفاق مع دولتى المصب لتشييد سد النهضة أو أى مشروعات مائية مستقبلية.”

كما وضعت إثيوبيا هذه السياسة موضع التنفيذ حينما أعلن رئيس وزرائها يوم 30 مايو 2021 أن بلاده تخطط لتشييد ما يزيد عن مائة سد خلال العام المالى القادم، حيث تم الإعلان عن هذا الأمر دونما أى إشارة ولو عابرة لحقوق ومصالح الدول المشاطئة للأنهار الدولية النابعة من إثيوبيا، وكأنها تمتلك حقوق ملكية حصرية لنهر النيل والأنهار الأخرى التى تتشارك فيها مع جيرانها، وهو الأمر الذى كان جلياً فى الضرر الذى ألحقته أثيوبيا ببحيرة توركانا فى كينيا.

السيد الرئيس.. بالرغم مما أبدته وتبديه أثيوبيا من سوء نية وإصرارها على اتباع سياسات أحادية الجانب، فقد استمرت مصر فى التفاوض استناداً لحسن النية وتوافر إرادة سياسية جادة للتوصل إلى اتفاق عادل.

ولم تألو مصر جهداً على مدار عقد كامل فى استشراف كل السبل واستنفاد كافة الفرص نحو التوصل إلى اتفاق يمكن أثيوبيا من ملء وتشغيل السد بالتوازى مع الحد من الآثار والتداعيات السلبية على دولتى المصب، وهو الاتفاق الذى من شـأنه أن يكون أداة للتعاون الإقليمى والتكامل ويدشن عهداً جديداً من التآخى بين الدول الثلاث.

لقد سعينا للتوصل لهذا الاتفاق على مدار سنوات من المفاوضات الثلاثية غير المجدية والتى نجحت اثيوبيا خلالها فى نسف كل جهودنا الرامية لإجراء دراسات مشتركة حول الآثار الاجتماعية والاقتصادية للسد وتقييم مضاره البيئية، إلا أنه ونتيجة لعرقلة إثيوبيا لكافة تلك المساعى فلم يعد لدينا دراسة علمية محايدة ومشتركة حول الآثار السلبية لهذا السد الضخم.

وقد قبلت مصر الدعوة للمشاركة فى مفاوضات برعاية الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولى، والتى انخرطت فيها اثيوبيا، بشكل كامل وبحرية مطلقة، والتى تم خلالها – وبعد اثنتى عشرة جولة من المفاوضات المضنية – بلورة اتفاق شامل حول ملء وتشغيل السد، وهو الاتفاق الذى وقعته مصر ورفضته اثيوبيا.
كذلك انخرطت مصر فى مفاوضات دعا إليها دولة رئيس وزراء جمهورية السودان الشقيقة، والتى على الرغم من التقدم الذى نجحت فى احرازه، فقد قوضتها أيضاً اثيوبيا فى النهاية بالإصرار على تعنتها.

كما شاركت مصر بفاعليه على مدار عام كامل منذ انعقاد الجلسة السابقة لمجلس الأمن حول هذه القضية فى المفاوضات التى عقدت تحت رعاية الاتحاد الافريقى.

وانخرطت مصر فى تلك المفاوضات من منظور ساده التفاؤل والايمان بقدرة اشقائنا الافارقة على تسهيل التوصل لاتفاق حول السد. كما اجتهدنا من أجل تنفيذ المخرجات والتوجيهات الصادرة عن اجتماعات هيئة مكتب الاتحاد الأفريقى على مستوى القمة للتوصل لاتفاق قانونى ملزم حول ملء وتشغيل السد، ورحبنا بالانخراط البناء لشركائنا من الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة فى هذا المسار.

وعلى الرغم من ذلك، وبعد مرور عام من المفاوضات المتعثرة ورغم كل المساعى الحميدة والجهود الدؤوبة لفخامة رئيس جنوب افريقيا سيريل رامافوزا، وفخامة رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدى خلال رئاستهما للاتحاد الافريقى، فقد أخفق مسار المفاوضات الذى يقوده الاتحاد الافريقى فى التوصل للاتفاق المنشود.

بل إن دولنا الثلاث لم تتمكن حتى من تنفيذ مهمة بسيطة تتمثل فى صياغة مسودة أولية تتضمن رصداً لمواقف الدول الثلاث فى المفاوضات، وتم استغراق العديد من الأسابيع فى اجتماعات افتراضية غير مجدية وخلافات حول أمور هامشية تتعلق بالإجراءات.

وما يثير مزيداً من القلق هو أن اثيوبيا عمدت على أخراج المفاوضات التى يقودها الاتحاد الإفريقى عن مسارها، وسعت مراراً وتكراراً لتوجيه المفاوضات على نحو مغلوط للتوصل لتفاهمات غير ملزمة تقتصر على قواعد ملء السد أو لتعيين نقاط اتصال لتبادل البيانات الفنية.

وعلى الرغم مما قد تبدو عليه تلك الأفكار من وجاهة ظاهرية لغير الخبراء؛ فإن حقيقة الأمر أنها فى جوهرها تخالف توجيهات هيئة مكتب الاتحاد الأفريقى على مستوى القمة التى نصت وبجلاء على أنه يتعين على الدول الثلاث التوصل لاتفاق شامل على القواعد الحاكمة لعمليتى الملء والتشغيل لهذا السد.

والأهم من ذلك، أن الأثر الفعلى لهذه المقترحات الأثيوبية هى تجريد دولتى المصب من أى حماية مجدية ضد الآثار السلبية للسد، ومنح اثيوبيا حق مطلق لملء خزان السد وتشغيل توربيناته العملاقة دون الالتزام بأى قواعد أو إجراءات يكون من شأنها تخفيف التداعيات السلبية لهذا السد وتنظيم عملية تشغيله، وهو ما يشكل خطراً جسيماً على حقوقنا ومصالحنا الحيوية.

بالإضافة الى ما تقدم، وعلى الرغم مما تزعمه أثيوبيا من استعداد لتقبل دور أكبر لشركائنا الذين حضروا المفاوضات التى عقدت برعاية الاتحاد الافريقى كمراقبين، فإن حقيقة الأمر أن اثيوبيا رفضت خلال الاجتماع الوزارى الأخير الذى عقد فى كينشاسا خلال الفترة من 4-6 ابريل 2021 بناء على دعوة كريمة من فخامة الرئيس فيليكس تشيسيكيدى، كل مقترح تقدمت به مصر والسودان بهدف تعزيز العملية التفاوضية التى يقودها الاتحاد الافريقى ومنح دور اكبر لشركائنا لمساعدتنا فى التوصل لاتفاق حول السد.

وعليه، أجد أننى وللأسف مضطر لأن أخطر مجلس الامن أن المسار التفاوضى الذى يقوده الاتحاد الافريقى – فى صيغته الحالية – قد وصل لطريق مسدود؛ فقد تم استنزاف عام كامل فى مفاوضات غير مثمرة، بينما استمرت اثيوبيا فى بناء السد ووصلت الان إلى نقطة الاستمرار فى ملء الخزان من جانب واحد.

السيد الرئيس.. لقد استمرت إثيوبيا فى تبنى موقفٍ متعنتٍ طوال هذا المسار الشاق والمعقد وفى مراحل المفاوضات كافة. كما رفضت كل المقترحات والأفكار التى قدمتها مصر، والتى كان من شأنها ضمان قدرة إثيوبيا على توليد الطاقة الكهرومائية بأعلى مستويات ومعدلات الكفاءة مع توفير الحماية لدولتى المصب من أخطار هذا السد.

كما أبت إثيوبيا الموافقة على أية حلول أو مقترحات توافقية قدمها شركاؤنا الدوليون، واستمرت فى تبنى مواقف صِيغت بغرض تفادى وتجنب تحملها لأى التزام لحماية حقوق مصر والسودان أو حتى توفير الحد الأدنى من الضمانات لهما.

وقد باءت كافة محاولاتنا لرأب الصدع وبناء الثقة بين دولنا بالفشل؛ فقد وقعنا على اتفاق إعلان المبادئ عام 2015 للتأكيد على التزامنا بالتوصل إلى اتفاق عادل ومنصف هذا الخصوص. كما قدمنا خطة لإنشاء صندوق مشترك لتمويل مشروعات البنية التحتية بهدف توسيع آفاق التعاون بين بلادنا، بل أننا اقترحنا المساهمة فى تمويل هذا السد الإثيوبى بغية تحويل هذا المشروع إلى رمز للصداقة والأخوة بين شعوبنا، كما اقترحنا مد خطوط الكهرباء المصرية للمساهمة فى إمداد إثيوبيا بالطاقة لدعمها فى مسعاها لتحقيق التنمية.
ورغم كل ذلك، تظل إثيوبيا على تعنتها وصلفها.

لذلك أضحت دولتا المصب أكثر عرضة الآن لمخاطر هذا السد، حيث انه لا يوجد لدينا أية ضمانات مؤكدة بشأن أمان هذا السد وسلامته الإنشائية، وهو ما يعد حكماً فرضته علينا إثيوبيا بأن يعيش أكثر من 150 مليون من السودانيين والمصريين تحت تهديد محدق نتيجة لهذا السد الضخم وبحيرته العملاقة التى ستخزن 74 مليار متر مكعب من المياه دون وجود ما يطمئننا اتصالاً بسلامة السد وأمانه.

سامح شكرى فى مجلس الأمن

كما لا توجد لدينا أية ضمانات ضد الأضرار التى لا يمكن حصرها التى قد تنجم عن ملء وتشغيل السد أثناء فترات الجفاف التى قد تقع مستقبلاً.

فعندما تأتى السنوات العجاف وينضب النهر… وتتشقق الأرض تحت الشمس الحارقة… وتتعرض حياة الملايين من المصريين للخطر… تتنعت إثيوبيا وتصر على احتباس النهر ومنع تدفقه لتروى ظمئ دول وشعوب المصب.. وهنا يكمن لب المشكلة التى نواجهها اليوم.

إن كل ما طالبت به مصر وسعت إليه هو اتفاق ملزم يتضمن وسيلة للتأمين ضد الآثار الضارة هذا السد الإثيوبى على أمن مصر المائى، وقد سعينا لتحقيق ذلك من خلال وضع آلية تستطيع الدول الثلاث بموجبها التعاون سوياً لتحمل مسئولية التبعات التى قد تسببها فترات الجفاف فى المستقبل.

وللأسف، فلا تزال إثيوبيا مصممة على رفض أى اتفاق يمكن أن يوفر وسيلة مجدية لحماية مصالح دول المصب.

ومن هذا المنطلق، السيد الرئيس، فإنه ليس من قبيل المبالغة أو التهويل أن أؤكد أن سد إثيوبيا يمثل تهديداً وجودياً حقيقياً لمصر؛ فدراساتنا العلمية تؤكد أن هذا السد العملاق قد يتسبب فى أضرار لا تعد ولا تحصى بالنسبة لمصر. وعلى الرغم من كافة الإجراءات الوقائية التى اتخذناها تحسباً للملء الأحادى لهذا السد ورغم كافة جهودنا المضنية لحفظ مياهنا وإعادة تدوريها واستخدامها؛ فإن الضرر الذى قد ينتج عنه سوف يستشرى كطاعون مزمن فى شتى مناحى حياة الشعب المصرى دونما استثناء.

ففى غياب اتفاق ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، فإن هذا المشروع قد يؤدى إلى عجز متراكم للمياه بمصر يبلغ نحو 120 مليار متر مكعب، مما سيساهم بدوره فى تقليل سبل الحصول على مياه الشرب النظيفة، ويحرم ملايين العاملين فى قطاع الزراعة من المياه اللازمة لرى أراضيهم، ومما سيؤثر سلباً على مستوى دخولهم ومعيشتهم، ويدمر آلاف الأفدنة من الأراضى الصالحة للزراعة، ويساهم فى زيادة ظاهرة التصحر وتدهور النظم البيئية فى دول المصب، فضلاً عن زيادة فرص تعرضها للآثار السلبية ذات الصلة بتغير المناخ. وهو الوضع الذى لا يمكنُ لمصرَ أن تتحمله، بل لن تتقبله أو تتسامح معه.

وبالتالى، فمن الأهمية بمكان أن يبذل المجتمع الدولى كل جهدٍ ممكن، بما فى ذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة من خلال مجلس الأمن، لاستباق هذه الاحتمالية ومنع تحول السد الإثيوبى إلى تهديد وجودى لمصر.

ويتطلب ذلك قيام المجلس بمطالبة الأطراف – وبشكل لا لبس فيه – للعمل على الوصول إلى اتفاق منصف، وفى إطار زمنى محدد، وتشجيعها على العمل الصادق ودون مواربة لتحقيق هذا الهدف المنشود.

وإذا لم تتحقق هذا الغاية… وإذا تضررت حقوق مصر المائية أو تعرض بقائها للخطر… فلا يوجد أمام مصر بديل إلى أن تحمى وتصون حقها الأصيل فى الحياة وفق ما تضمنه لها القوانين والأعراف السائدة بين الأمم ومقتضيات البقاء.

السيد الرئيس.. إن قيام مصر بطرح هذا الأمر، والذى له أهمية قصوى بالنسبة لها، أمام مجلس الأمن إنما يعد بمثابة شهادة على إيماننا الراسخ غير المتزعزع بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والواردة فى ديباجته والتى تؤكد على التزامنا المشترك “بممارسة التسامح والعيش معاً فى سلام وحسن الجوار” وكذا “أن نوحد قوانا لصون السلم والأمن الدوليين”.

وها نحن نأتى هنا بحثاً عن طريق مُجدى نحو حل سلمى وودى عن طريق التفاوض للأزمة التى أمامنا اليوم، ولدرء العواقب الوخيمة التى قد تنتج حال لم نستطع التوصل إلى تسوية لهذه القضية. إن أملنا أن يدرك مجلس الأمن مدى خطورة الموقف وأن يضطلع بمسئوليته لصون السلم والأمن الدوليين. ونتطلع لأن يتخذ هذا المجلس الإجراءات اللازمة لضمان قيام الأطراف المعنية بالانخراط فى مسار تفاوضى فعال يفضى إلى التوصل إلى اتفاق يخدم مصالحنا المشتركة.

وبالفعل، فإن شعب مصر – وشعوب المنطقة بأسرها – تتابع مداولات مجلس الأمن اليوم باهتمام شديد وآمال كبيرة، وينظرون إلى الأمم المتحدة، وإلى هذا المجلس، باعتبارهما ضامنين للسلام وحارسيْن على الإرادة المشتركة للإنسانية، وهم على ثقة فى أنكم لن تخفقوا فى أداء مهامكم فى هذا الخصوص.

وبهذه الروح، أود أن أشدد على أهمية قيام مجلس الأمن، أثناء الاضطلاع بمهمته الأساسية لصون السلم والأمن الدوليين، الالتزام بالمادة الرابعة والعشرين لميثاق الأمم المتحدة، والتى تنص على ضرورة عمل أعضائ المجلس كممثلية لأعضاء الأمم المتحدة لتعزيز الأهداف السامية والنبيلة التى أنشئت من أجلها هذه المنظمة والتقيد بالمبادئ التى تقود وتلهم عملها. وعليه، فإننا نهيب بأعضاء هذا المجلس الموقرين أن ينظروا فى هذه القضية الحيوية التى نحن بصددها اليوم، ليس من خلال منظور ضيق يرتبط بمصالحهم الوطنية، ولكن من منظور المسئولية الجماعية للتحرك بالنيابة عن المجتمع الدولى ككل لحفظ السلم ودعم مبادئ العدالة والإنصاف.

وبناء عليه، تطالب مصر مجلس الأمن بتبنى مشروع القرار الخاص بمسألة سد النهضة الأثيوبى والتى تم تعميمها من قِبل جمهورية تونس الشقيقة.

وكما هو واضح من نص هذا المشروع، فإننا لا نتوقع قيام المجلس بصياغة حلول للمسائل القانونية والفنية العالقة، كما أننا لا نطالب المجلس بفرض تسوية ما على الأطراف بشأن هذا الخلاف.

بل على العكس؛ فإن هذا القرار سياسيٌ الطابع وهدفه متوازن وبناء ويتمثل فى إعادة إطلاق المفاوضات وفقاً لصيغة معززة تحافظ على قيادة رئيس الاتحاد الأفريقى لعملية التفاوض وتدعمها، وتمكن شركاءنا الدوليين، بما فيهم الأمم المتحدة، من استغلال خبراتهم فى هذا المجال من أجل مساعدة دولنا الثلاث فى سعيها لإبرام اتفاق عادل وفق إطار زمنى مناسب.

وإن كان ثمة شيء أكيد؛ فإن هذا القرار يهدف إلى تنفيذ وتفعيل مخرجات اجتماعيّ هيئة مكتب الاتحاد الأفريقى اللذين عُقدا حول هذا الموضوع، واللذيْن وجها الأطراف أن تنجز فى أقرب وقت، وبمساعدة شركائنا الحاضرين لتلك المحادثات كمراقبين، صياغة اتفاق قانونى ملزم حول ملء وتشغيل سد النهضة الأثيوبى، كما ناشدت مخرجات تلك الاجتماعات الأطراف بعدم اتخاذ إجراءات أحادية يمكن لها أن تعرض العملية للخطر.

إن تبنى هذا القرار من شأنه أن يؤكد مجدداً عزم مجلس الأمن على الاضطلاع بمسئوليته لحفظ السلم والأمن الدوليين، كما سيبعث رسالة واضحة مفادها أن المجلس سيظل ملتزماً بسلام ورخاء قارتنا الإفريقية. وفى المقابل؛ فإن الإخفاق فى اتخاذ إجراء فعال إزاء مسألة السد الإثيوبى سيُعد تقصيراً مخيباً للآمال بشأن اضطلاع المجلس بمهامه ومسئولياته.

أخيراً، فإننى أؤكد لكم سيادة الرئيس ولأعضاء المجلس، أن مصر سوف تبذل كل اجهد للتوصل إلى اتفاق يدعم رابطة الأخوة بين دولنا ووشائج القرابة بين الشعوب التى تعيش على ضفاف نهر النيل.

وأهيب بزملائى، وأشقائى، وشقيقاتى فى السودان وأثيوبيا لاغتنام هذه الروح ومضاعفة جهودنا من أجل ضمان مستقبل من السلام والرخاء لبلادنا وشعوبنا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *