فنان من طراز خاص، وُلد في عائلة فنية أنجبت عددًا من الممثلين والمخرجين، لا يعلم الجمهور الكثير عن حياته، سوى بعض الأدوار التي اشتهر بها، لعل أبرزها شخصية “المتحرش” في فيلم “قبضة الهلالي”، مرورًا بـ”العوامة رقم 70″، و”الهلفوت”، ولكنه شخصية ذات مرجع وطني كبير، وربما يتعجب البعض من كونه أحد أبطال مصر المشاركين في حرب أكتوبر، بل ويعود تاريخه الوطني لأقدم من ذلك أيضًا.

حمدي الوزير، فنان صاحب رصيد كبير على صعيد السينما والتليفزيون والمسرح، ولكن لديه جانب آخر من حياته، وصندوق خفي خبأ بداخله ذكرياته مع حرب السادس من أكتوبر 1973، وفي ذكرى النصر “الوطن” حاورته لتعرف كواليس العبور، وكيف التحق بالتجنيد، وحكاية زعامته للمقاومة الشعبية، وإلى نص الحوار..

في البداية، يُقال إنك شاركت في المقاومة الشعبية.. هل هذا صحيح؟
نعم صحيح، ولكن أنا لم أشارك بها بل أنا من أسستها في بورسعيد، ولم يتخط عمري آنذاك 17 عامًا ونصف العام، وذلك بالتحديد في يوم 6 من مايو عام 1967، عقب النكسة بيوم واحد.

 

ماذا قدمت للمقاومة وما دورك بها آنذك؟
أنشأت أول فصيلة مقاومة شعبية في بورسعيد، وحفرت خنادق بجوار منزلي، واستلمت أسلحة وبنادق من القوات المسلحة، وهو ما كان مصرحا به في ذلك الوقت، كما أرسل لنا الجيش بعض الضباط لتدريب جماعة المقاومة على استخدام تلك الأسلحة وضرب النار، وكان لدي وقتها خبرة قليلة عنها من حصة “الفتوة” بالمدرسة.

حدثنا عن حصة “الفتوة” بالمدرسة.. وكيف أفادتك في المقاومة؟
هي إحدى الحصص الدراسية القديمة التي أُلغيت في المدارس بعد أن سميت بـ”التربية العسكرية”، ولكن تضاءل دورها حتى ألغيت، أما قديمًا فكانت تعلم الطلاب معنى المقاومة وتؤهلهم للتجنيد بشكل سليم، “كنا بنلبس فيها ميري ونستعمل السلاح، ونتعلم نفكه ونركبه، وده سهّل عليّ المهمة وقت بداية المقاومة”.

كيف تعاملت كأحد قادة المقاومة في سن صغيرة؟
حزني على ما حدث في النكسة وحبي لوطني بالإضافة لبعض تدريباتي العسكرية، جعلني مؤهلًا لتلك المهمة، فكنت أوزع المهمات على الفدائيين، ومسؤولًا عن مخزن السلاح السري القابع تحت المسلة الشهيرة في بورسعيد، وذلك حتى شهر فبراير 1968.

متى التحقت بالتجنيد؟
“ياااه حكايتي مع الجيش طويلة”، بدأت حينما كنت جالس برفقة أحد أصدقائي وقلت له إنني أريد الالتحاق بالقوات المسلحة وخوض الحرب، وبعد تردد منه أصررت على ذلك فوافقني، ولم أصارح أهلي بتلك القصة، وذهبت إلى مكتب التجنيد رغم أنني لا أملك المال الكافي، ولكنهم فاجئوني، قائلين: “امشي يابني انت لسه صغير ومعاك تأجيل”.

وكيف التحقت إذًا بالتجنيد بعد رفضك؟
“ما أنا مسكتش”، تشاجرت مع الجنود الموجودين بشباك التجنيد، قبل أن يلمحني قائد وحدة التجنيد ويطلبني لمكتبه، ثم نهرني لما فعلته وسألني، “عايز إيه وإيه اللي جابك هنا”، لأجيب في عزم وحدة “عايز أحارب”، فأصيب القائد بالدهشة وقال” تعالى يابني وبكى، وباس على دماغي، وقال لي انت أخوك في الجيش وواخد تأجيل فكر كويس، قوتله لأ أنا نفسي أحارب جربوني، فقرر قبولي في الجيش”، وكنت سعيدا للغاية بذلك.

 

وماذا عن الفترة ما بين نكسة 67 وانتصار 73 خلال خدمتك في القوات المسلحة؟
كنت أصغر مجند في القوات المسلحة، وتركت دراسة الهندسة من أجل الجيش، ثم استكملتها من الداخل، وجاء تجنيدي في منطقة التل الكبير، بعد أن التحقت بسلاح المهندسين العسكريين، وكانت المفاجأة بأن قائد مدرسة المهندسين هو الشهيد أحمد حمدي، وتم استغلالي في ذلك الوقت في عملية “الكوموفلاش” التي أوهم فيها الرئيس السادات العدو بأنه يسرح الجنود، ليخدعهم بعدم نيته في خوض الحرب، وكنت أحد الجنود الذين تم تسريحهم ثم عدت لوحدتي سريعًا.

هل جمعتك مواقف بالشهيد أحمد حمدي خلال فترة خدمتك؟
خدمت في مكتب الشهد أحمد حمدي طيلة فترة تواجده في مدرسة المهندسين العسكريين، وكان نعم القائد والقدوة، وكنت أتعامل معه بشكل مباشر قبل انتقاله وترقيته بعد ذلك.

ما شعورك عند لحظة سماع قرار حرب أكتوبر؟
في تلك الفترة تحديدًا كان الجندي منا يموت في اليوم 50 مرة، وكان هناك العديد من الفنانين الذين حاربوا أمثال محمود قابيل ولطفي لبيب ومحمود الجندي، كنت أبكي كما الطفل وأريد أن أحارب، وعندما علمت بأن الليلة سنعبر خط برليف، تملكني شعور لا أستطيع وصفه بالكلام، ولم أستوعب حينها ما حدث لي وما هي إلا ساعات قليلة وخطت قدمي سيناء لأول مرة بعد العبور.

حدثنا عن حرب أكتوبر كونك أحد أبطالها؟
لا يتحدث عن الحرب إلا من مارسها وعاشها، لذا لي بها العديد من الذكريات، وحتى الآن يقشعر جسدي كلما شاهدت مشهد للعبور وسمعت صوت الجنود يهتفون “الله وأكبر”، تلك الصيحة العجيبة التي لم نعلم كيف ظهرت حينها، “صراخ الله أكبر ده محدش نظمه، ده طلع مننا كلنا في نفس اللحظة وفي نفس واحد مع بعض وكان بيهز الجبل من تحت رجلنا، تخيل 6 سنين مسلوبة أرضك وجاتلك فرصة تستردها”.

ماذا كان دورك في معركة النصر؟
دوري كان عبارة عن متخصص في الألغام والمفرقعات، أضع الألغام على أبعاد معينة بشكل منظم ومدروس، وأفكك الألغام الموجودة في طريق زملائي، فضلًا هن فك وتركيب الكباري المائية والبواخر المطاطية، “مشهد العبور الشهير اللي بنشوفه في الأفلام ده أنا كنت واحد من الجنود الموجودةة فيه حقيقي، وركبت الكباري دي على مياة القناة، وبقعد أدور على نفسي في التليفزيون أول ما بشوف المشهد ده”.

كم فقدت من أصدقاء في الحرب.. وكيف أثّر ذلك عليك؟
فقدت الكثير من أصدقائي وقت الحرب، “كنت كل ما أسأل على حد من زمايلي يقولولي استشهد”، وهو ما أحزنني رغم فرحة النصر وعودة سيناء.

هل ما زلت على علاقة بأحد أصدقاء حرب 6 أكتوبر؟
بالتأكيد، ولكن ليس الكثير منهم، فعلى سبيل المثال أتواصل مع اللواء يسري عمارة، الذي أسر الإسرائيلي عساف ياجوري، وأيضًا على صلة ببعض رجال المقاومة الذين ما زالو على قيد الحياة في بورسعيد.

 

هل كان لك نصيب من المشاركة في الأعمال التي جسدت حرب أكتوبر؟
نعم، حيث شاركت في سهرة فنية برفقة الفنان كرم مطاوع وأحمد ماهر تسمى “معركة كبريت”، وأيضًا مسلسل “رأفت الهجان” في دور “عادل”، ومسلسل “غريب الدار” الذي جسدت به شخصية ظابط مقاتل فقد ساقه في الحرب، “أنا ممثلتش في المسلسل ده، أنا كنت بعمل شخصية حقيقية حصلت لواحد صاحبي في الحرب”.

ما الأعمال الفنية التي تستشعر فيها أجواء المعركة الحقيقية؟
أحب كل أعمال الحرب على الرغم من بعدها عن واقع المعركة، ولكنها مشهد تصويري وتخيلي لها، “وحبيت مؤخرًا مسلسل الاختيار جدًا ولازم نكتر من المسلسلات اللي بتتكلم عن جيشنا، وكمان أغنية (على الربابة بغني)، اللي بتحسسني إن اللي عملوها كانو معانا على الجبهة”.

عقب 47 عامًا من خوضك للمعركة.. ما شعورك اليوم في ذكرى النصر؟
“بعيط من الصبح وأنا بسمع الأغاني وبشوف احتفالات الناس، حاسس إني عملت حاجة لبلدي وراضي عن نفسي، أنا إنسان بسيط جدًَا وجزء من الوطن الكبير ده، اللي شعبه بيحتفل النهاردة بذكرى النصر الخالد للي مش هيمحيه التاريخ”.